ثقافة الشتات تتحدى حدود القومية الإسرائيلية

IMG_20160716_205519

ثقافة الشتات تتحدى حدود القومية الإسرائيلية

اللاسامية والفاشية خلقوا إسرائيل ولكن بدون نقد فنحن نعود لنسقط بنفس تلك المطبات. علينا الاصغاء لأصوات الشتات لا أن نضع أمامها جداراً عاطفياً وسياسياً والذي هو عملياً استمرار للقمع بطرق أخرى.
ماتي شموؤلوف 30.08.16

غاب عن النقاش الذي جرى مؤخراً حول الإسرائيليين في برلين المركب الثقافي المستقل للشتات. بالذات في هذه الأيام أعتقد بأن حديثاُ عميقاً، عاطفياً وشيقاً يجري بين الجاليات وبين دولة الأصل: بين الهوية المتخيلة للوطن وبين الهوية المتخيلة للثقافة الأجنبية. في برلين تنمو ثقافة عبرية بديلة، مستقلة، متنوعة، ومتعددة الأصوات. في الآونة الأخيرة مثلاُ صدرت مجلتان عبريتان في برلين: المجلة ثنائية اللغة “أفيف” والتي يحررها هانو هانوشطاين وايتمار جوف، ومجلة “مكان ف-ايلاخ” المخصصة للعبرية في الشتات والتي يحررها طال حيفر حيفوفسكي. وتنضم هذة للمجلة القديمة نسبياً “شبيتس” التي يحررها طال الون ولمؤسسات أخرى آخذة بالتطور مثل المكتبة العبرية والمكتبة العامة في برلين وغيرها.

ثقافة الشتات تنهض أيضاً داخل إسرائيل، عل سبيل المثال، في كتاب ايتمار اورلف الذي يسافر لبولندا “بنديت” او في كتاب تومر جراندي الذي كتب بألمانية مكسرة وحظي بأصداء واسعة في المانيا بالأيام الأخيرة. الخطاب، في هذا السياق، لا يعرف بواسطة المكان الفيزيائي الذي يتواجد فيه الكتاب إنما بواسطة وعيهم الذي يتشكل بتأثير من الشتات. ففي عصر العولمة من الصعب الالتزام بحدود القومية، حدود اللغة والحدود التي تفرض على المواطن كجزء من الشعب الذي يعيش داخله.

كتبت عن كل هذه المسائل بالماضي ولكنني أشعر بأن هناك حاجة للتوقف عند المركب الثقافي للشتات والذي يحصل في نفس الوقت بالكثير الكثير من الأماكن ولا يقتصر على برلين بالتأكيد- برلين هي مدينة استراتيجية بسبب تاريخها الخاص. اضافةً لذلك فثقافة الشتات تقوم بكثير من الاحيان بانتقاد اسرائيل، من داخلها ومن خارجها. محاولة صد هذه الثقافة هو بمثابة جدار عاطفي وسياسي امام أصوات إسرائيلية- جدار ينضم للجدران الأخرى التي تضعها إسرائيل داخل الشرق الاوسط.

في العقد الثاني من سنوات الألفين تتكاثر في إسرائيل الأصوات المطالبة بإغلاق الباب امام الانتاجات العبرية، اليهودية والإسرائيلية خارج الحدود الفيزيائية للدولة بالذات على خلفية الغزارة التي يعرضها الشتات.

إسرائيل حاولت منذ البداية ان تقفل على نفسها من الشتات، لهذا، بالذات في هذه الأيام التي لا تتوقف فيها المعلومات، ينجح المركب الثقافي بتحدي مصطلح ابادة الشتات. المركب العاطفي الذي يحاول التنكر للأصوات المنتحبة، يذكر أيضاً بالطريقة التي يتم فيها اسكات اليهود الشرقيين والفلسطينيين في إسرائيل بالقول بأنهم لا يكفون عن التبكبك. بدل لفظ النحيب، اصغوا الى الحزن فهو لا يأتي من فراغ. ولا حاجة لان نشير هنا الى ان إسرائيل هي دولة هجرة قام معظم مواطنيها بالهجرة اليها بالأساس بسبب مشاكل المواطنة في الدول الأخرى.

على مدى السنوات قام إسرائيليون كثيرون بالهجرة وترك البلاد بسبب مشاكل سياسية، اجتماعية، اثنية، جندرية وجنسية خلقتها الدولة ولم تأخذ عليها مسؤولية. من ضمن هؤلاء نذكر الشرقيين الذين هاجروا الى الولايات المتحدة، اللاجئين الفلسطينيين الذي رميوا بالخارج الى كل دول العالم، المواطنين الفلسطينيين الذين يشعرون أحياناً بأن كونهم غرباء في دول أجنبية أخف وطأة من كونهم غرباء في وطنهم. محاولة رفض الاصغاء للنقد على إسرائيل هي بمثابة انضمام للتيار المعسكر والذكوري لخط “الهسبرا” (الدعاية) الإسرائيلية. اللاسامية والفاشية خلقوا إسرائيل ولكن بدون نقد فنحن نعود لنسقط بنفس تلك المركبات بالضبط. علينا الاصغاء لأصوات الشتات لا أن نضع جداراً عاطفياً وسياسياً مصنوعاً من الوطنية والذي هو عملياً استمرار للقمع بطرق أخرى.

المفارقة بأن إسرائيل وفي نفس الوقت الذي تقوم به بإغلاق حدودها أمام الشتات فهي تدعي ملكية انتاجاته. ففي حين يتم اغلاق جائزة “سابير” (للأدب) أمام الكتاب الذين يعيشون خارج إسرائيل، تقوم إسرائيل باحتكار الانتاجات اليهودية خارجها كما يمكننا ان نرى من خلال استملاك نصوص كافكا من قبل المكتبة القومية (الاسرائيلية). عملياً، أعتقد بأنه وفي العقد الثاني من سنوات الألفين تتكاثر في إسرائيل الأصوات المطالبة بإغلاق الباب امام الانتاجات العبرية، اليهودية والإسرائيلية خارج الحدود الفيزيائية للدولة بالذات على خلفية الغزارة التي يعرضها الشتات. ردة الفعل المتطرفة هذة تذكرني بالمحافظة الجديدة التي نراها بالأساس بالحركات المتعصبة التي تنغلق على نفسها بالبعد المحلي وتعارض العولمة وحركة المعلومات وبالضرورة الهويات الكوزموبوليتانية كذلك.

ولكن لا يمكن ابادة التأثير الكبير لثقافة الشتات العبرية بسهولة حتى ان رفضها بهذه الصورة يقويها فقط. تشديد الحدود الفكرية بين اسرائيل والجاليات تؤدي، من جهة، الى فهم أعمق في الجاليات بأن هناك حاجة للاستقلالية والسيادة في الانتاج، ومن جهة أخرى، الى رفض عنيد للتنازل عن الحوار الذي يسعى الى تجاوز الحدود المتخشبة. هل حقاً بالإمكان خلق حدود وهمية بين الانتاج العبري، اليهودي والإسرائيلي في عصر الانترنت؟ الأمر الساحر بنظري بأنه مقابل كل ردة فعل محافظة من هذا النوع هناك ردة فعل متطرفة أكثر لأناس يعون بأن انتاجهم أكبر بكثير من الخيال الضيق لسياسيي الثقافة.

والمفارقة موضوعة أمامنا هكذا، كلما حاولوا تشديد حدود الثقافة كلما تكاثرت الثقافة وأصبحت مبدعة أكثر وكلما تحدت الموقف المحافظ باتجاه تشكيل مباني كوزموبوليتانية، مستقلة ومركبة أكثر. في المقابل، اذا ما سلكنا الاتجاه الثاني بالذات وفتحنا الحدود لانتاجات بلغات أخرى، من أماكن أخرى، سيكون بإمكاننا ان نكون داخل التيار الابداعي اللامنتهي وان نتعلم، من الداخل والخارج، حول ما يجري خارج الوعي القومي.

شاعر وكاتب يسكن في برلين. 

المزيد:

كل الحقيقة حول خلية اليساريين النائمة في برلين.

אודות Mati Shemoelof

משורר, עורך וסופר. A Writer
פוסט זה פורסם בקטגוריה כללי, עם התגים , , , . אפשר להגיע ישירות לפוסט זה עם קישור ישיר.

להשאיר תגובה

הזינו את פרטיכם בטופס, או לחצו על אחד מהאייקונים כדי להשתמש בחשבון קיים:

הלוגו של WordPress.com

אתה מגיב באמצעות חשבון WordPress.com שלך. לצאת מהמערכת / לשנות )

תמונת Twitter

אתה מגיב באמצעות חשבון Twitter שלך. לצאת מהמערכת / לשנות )

תמונת Facebook

אתה מגיב באמצעות חשבון Facebook שלך. לצאת מהמערכת / לשנות )

תמונת גוגל פלוס

אתה מגיב באמצעות חשבון Google+ שלך. לצאת מהמערכת / לשנות )

מתחבר ל-%s